مجد الدين ابن الأثير
368
المختار من مناقب الأخيار
وقال أبو إسحاق إبراهيم الخوّاص رضي اللّه عنه : كنت في مكة في بادية كنت سلكتها مرارا ، فضللت عن الطريق ، فذهبت أمشي يومي حتى أدركني المساء ، فاغتممت بسبب الوضوء وفقد الماء ، وكانت ليلة مقمرة من الليالي البيض ، كأنّها نهار . فبينا أنا مفكّر إذا أنا بصوت ضعيف لطيف : إليّ يا أبا إسحاق ، فإنّي سألت اللّه أن يحضر وفاتي وليّ من أولياء اللّه تعالى ، وأرجو أن يكون قد فعل ، وأنا منتظرك من صلاة الغداة . فدنوت منه فإذا شابّ حسن الوجه ، مطروح ليس به حركة ، وإذا عند رأسه ضبائر رياحين كثيرة منها ما عرفته ، ومنها ما لم أعرفه . فتعجّبت وقلت : يا فديتك ، ما الذي حبسك هاهنا ؟ فقال : كنت بين أهلي في عزّ ورفاهية عيش ، فخطر على سرّي السّفر ، وتمنّيت الغربة ، فخرجت من مدينة سميساط « 1 » ، حتى وقعت إلى هذه البقعة منذ شهر ، وقد احتضرت . فقلت له : ألك والدان ؟ قال : نعم ، وإخوة وأخوات ، وأهل كثير . فقلت له : هل خطروا « 2 » على سرّك ؟ قال : لا ، ما خطروا « 3 » على سرّي إلّا اليوم ، فإنّي أحببت أن أشمّهم ، وأجدّد العهد بهم ، فاحتوشت حولي جماعة من الوحوش ، وبكوا معي ، وهذه الرّياحين هم حملوها إليّ . قال أبو إسحاق : فبقيت متحيّرا في أمري وأمره ، وأتفكّر ، ووقع الشابّ على قلبي وجذب سرّي ، فبينا أنا كذلك إذ أقبلت حيّة عظيمة ، معها طاقة نرجس ، وردها نحو ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع إن شاء اللّه ، وكأنّها تقول لي : يا إبراهيم ، اعدل بسرّك عن الشابّ ؛ فإنّ الحقّ غيور . فصحت صيحة ما أفقت منها إلا والشابّ قد فارق الدّنيا ، فقلت : إنّا للّه ، هذه محنة عظيمة ،
--> ( 1 ) سميساط : مدينة ن على شاطئ الفرات ، في طرف بلاد الروم ، على غربي الفرات . معجم البلدان . ( 2 ) في ( ب ) : « حضروا » . ( 3 ) في ( ب ) : « حضروا » .